أحمد ياسوف
29
دراسات فنيه في القرآن الكريم
والحق أن « رقة اللفظ » و « حلاوة الحروف » ، و « السلاسة » ، و « السهولة » ، و « العذوبة » مما يتردد على ألسنة النقاد القدامى يعد إشارات صائبة ووعي سابق على عصرنا ، وهي تدل على تذوق أسلافنا ورهافة حسهم النقدي على فرديته تجاه الجمال السمعي . ولا ريب في أن كلا الطرفين : الصوت والمعنى في تلازم دائم ، وأن التعلق بالصوت مرحلة أولية ينبغي أن تجتاز ، وفي هذا يقول جيروم ستولينتز : « إن الكلمة ليست مجرد شكل على الورق ، أو صوتا نسمعه إذا كانت منطوقة ، وإنما هي لا تكون كذلك إلا بالنسبة إلى الطفل الصغير ، أو شخص لا يعرف اللغة . . ولكن على الرغم من ذلك يظل التمييز قائما بين اللون والصوت الذي لا يقدّم للوعي إلا ذاته ، وبين الكلمة التي يكون معناها أكثر من مجرد المظهر الذي تتخذه للإحساس » « 1 » . وعلى أية حال تعد النغمة الموسيقية في المفردات وتنسيقها منبها جماليا ، وهذا واضح جلي في القرآن الكريم ، وإن كان المتلقي لا يعي العربية ، فالموسيقى فوق اللغة ، والإيقاع دعوة العواطف إلى التفاعل مع النص . وقد يكون من هذا الباب نفي جمالية طوال الكلمات في الشعر واستحبابها في نسق القرآن كما هي الحال عند ابن سنان وابن الأثير ، فالقضية لم تكن في الطول بقدر ما تكون في التشكيل الصوتي ومادته ونغمته . أما أن الصوت لا يقدم للوعي إلا ذاته كما يقول ستولينتز ، فهذه المقولة لا تنطبق على كلمات القرآن ، فهي وعاء للمعنى في البعد الأول بحسب الوضع الاجتماعي ، فالصوت يواكب المعنى في تصوير المطلوب
--> ( 1 ) النقد الفني ، جيروم ستولينتز ، ص 84 .